حيدر حب الله
332
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
- بحيث لا يكذب على موكّله ؛ لأنّ ذلك قد يؤدّي به إلى خسارة موقعه أو قد يستثقل المؤمن أن يكذب على نبيّه أو إمامه ( وهذا غير أن يكذب عن لسانهم أمام الآخرين ) ، لكن لا ضرورة في أن يكون صادقاً في كلّ أمور حياته الأخرى مع سائر الناس ، فضلًا عن أن يكون عادلًا . فأنت ترى أنّ بعض الفاسقين المجرمين ثقة صادق في إخباراته التي تتصل بشؤون عمله ؛ لأنّ هذا ضروري له لتأمين مصالحه التامّة ، بينما هو كذاب لا يوثق به في سائر أمور الحياة . إنّ التفكيك في السلوك الإنساني بين الأفعال وفي الفعل الواحد بين أكثر من محيط وظرف ، هو ما تقوم عليه حياة الناس عادةً ، وقد أجاد الشيخ آصف محسني بقوله هنا : « من المحسوس اختلاف وثاقة الأشخاص في الجهات والأحوال » « 1 » . والغريب أنّ مشهور العلماء القائلين بحجيّة خبر الثقة يتصوّرون تمام الوثاقة في شخص كافر فاسق شارب للخمر زانٍ قاتل للنفس المحترمة ، ولا يرون ذلك مستحيلًا ، فلا يدّعون التلازم بين الوثاقة والعدالة ، بينما يستثقلون هنا أن يكون الوكيل في إصلاح بعض أعطال المنزل أو بناء بيت أو إجراء عقد أو غير ذلك غير ثقةٍ ، مع أنّ الأمر هنا من هذا القبيل . بل لو تأمّلت سلوك كبار مراجع الدين في عصرنا لوجدتهم لا يتحرّزون عن توكيل من ليس بعادل ولا جليل ولا ثقة في بعض أمورهم العادية اليوميّة ، ويتفقون مع بعض التجّار أو الموظّفين للقيام ببعض الأمور الجزئيّة لهم ، فهل يبحثون عن الوثاقة التامّة والعدالة فيهم ؟ ! وعليه ، لا يوجد أيّ دليل عقلي أو عقلائي يُثبت بالضرورة - ولو العرفيّة - عدالة أو وثاقة الوكيل بنظر الموكّل مطلقاً ، فهذا الدليل الأوّل غير واضحٍ هنا في دلالاته الإطلاقيّة . الدليل الثاني : الاستناد إلى النصّ الشرعي ، والمقصود به ما دلّ من الآيات والروايات على النهي عن الركون إلى الظالم ، فإنّ توكيل غير العادل أو غير الثقة لونٌ من ألوان الركون
--> ( 1 ) بحوث في علم الرجال : 26 .